* قطوفٌ منْ حديقةِ الذاكرة *

حـلـَّقـتُ في رحاب الذاكرة إلى أعوام خلت حين أطل سفير لبلد خليجي على قناة " NTV " الروسية لقاء عشرة آلاف دولار دفعها لإدارة تلك القناة عداً ونقداً ، تناول حديثه المدبلج إلى الروسية ، ديواناً أصدرته له إحدى دور النشر. في القصر الذي شغله " غورباتشوف " حتى أفول نجمه ، أقام ذاك النابغة وكنت حينها أعمل في إذاعة موسكو وكان هو في توق لإقامة اتصالات مع رجال الإعلام . وفي إحدى زياراتي له ، أهداني نسختين من ديوانه إحداهما بالعربية والأخرى بالروسية . بعد قراءة الكتاب بكلتي اللغتين ، عرضته على باحثة في الأدب الروسي بجامعة " لامانوسوفا " تربطني بها عرى صداقة وأواصر مودة ، وربما لم يكن استغرابي مما أبدته من ملاحظات لأني قد خمنت تقييمها مسبقاً ، كلانا اتفق على جودة ورق الطباعة والإخراج وبأن المضمون لم يَرْقَ لأن يحتل مرتبة في خانة الأدب ، وأي ناشئ مبتدئ لو شاء فإنه يُحْسِنُ التعبير بما هو شبيه أو أفضل مما سُطـِّرَ في كتاب قُـدِّمَ للقراء على أنهُ ديوان شعر .
 

 

 

 

بعد عودتي من أرض الثلج ، ألفيت تخبطاً في الأفكار والرؤى وشبه انحسار للرقابة على أكثرِ ما يُنْشَرُ أو يُذاعُ ، الكل قد اختصر طريق اللمعان والظهور ، فمِنْ تزاحم ِ الإصدارات لدورِ النشر إلى تراكم ِ المؤلفات على أرفف المكتبات إلى غزارة ِ الألحان الناشزة إلى تحزبات الناشئة لمغنيات سافرات اللسان والجسد ، إلى جمهور أكثره سطحي يعظم في آخرين مواهب شعرية أو فنية ، إلى أفول ٍ لأصوات ٍ وألحان ٍ سكنت أعطافنا ، هذبت من أذواقنا وأكسبتنا قدرة التمييز بين الرديء والجيد مما يطفو على السطح في بحر واقع في مده وجزره وتكاثر زبده ، يجهد في تشويهنا وقذفنا في أتون اللامبالاة ، قطعان أغنام ٍ يتحكم الرعاة الغوغاء بمصائرنا .
كثيرة هي الأشياء التي تبدلت في الاثنتي عشرة سنة التي أقصتني ظروفي القاهرة عن مرابع الطفولة ، في البدء غمرتني الفرحة لأسماء جديدة احتلت إمارة الشعر ، كنت آمل أن يملأ ثلة من الأدباء الجدد أمكنة شغرت بعد رحيل عظام أغنوا الحركة الأدبية والفنية بروائع تشمخ لها الهامات ، لكني بالذهول أصبت حينما وجدت كـمّاً هـائـلاً
من الأشجان والأحزان وحالات من الهيام والوجد مسطرة في كتيبات مذيلة بموافقاب لمؤسسات ثقافية ، وتنويهٍات فطاحلة الشعر أنفسهم إلى نفاسة الآثار الأدبية التي يهديها للقراء . أكثر تلك الإصدارات وجدتها غير مُسعَّرةٍ فمؤلفوها فضلوا دفع القراء لاقتنائها ، ومجرد الاقتناء والحديث عما كتبوه ، كان بحد ذاته كسباً يمنحهم الثقة ويُضفى بالوقار محياهم حينما يُشارُ إليهم بالبنان .
كان الشعراء في بلدي يُحْصَوْنَ بيسر ٍ ، يُحْتفى بهم حينما يطلون على جمهور متذوق يمنح الكلمة الجميلة الرصينة حق قدرها واليوم نكاد نعجز إحصاءً لـِمَنْ فرض ـ وبالقوة ـ على الملأ شاعرية ظنَّ امتلاكها . أن تدفع فذاك كفيل بأن يُرْقى بك عند جمهرة أمتعها التسيب واللامبالاة ، وهل منا من ينتابه التساؤل مِنْ بعدُ ، أوَ ليستِ المعلقات التي تنشر هنا وهناك من أهم الأسباب التي دفعت الناس إلى هجرة القراءة ؟!.
في ربيع عام 1978م ، أقيمت في صالة الأسد بحلب ندوة شعرية غصت لها القاعة وبالكاد وجدت لنفسي مقعداً أنتظر فيه شاعرأً كنا نجمع من مصروفنا ما يمكننا من شراء كتبه التي ذاع صيتها في الأمصار . كان الأصدقاء وكلما التم الشمل وعقدت مجالس السمر ، يحثونني قراءة ما تيسر من شعره مما لم أكتف بقراءته بل وتدوينه أيضاً في جنبات الذاكرة .
اعتلى نزار قباني المنصة بقوام ٍ منتصبٍ ووجه منفرجة ُ أساريره ، ويدين ِ تـُلوحان لجمهور أحب صدق الكلام وبساطة التعبير ، مقدراً فيهِ أنْ سَلـَبَتْ أشعاره أفئدة المتذوقين منهم . ضجت بالأنوثة تلك الصالة الكبيرة فأعلنَ شاعرنا : " لقد غبت عن حلب خمساً وعشرين عاماً وأظن بأن نساء حلب قد اشتقنَ إلي " . توالت قريحته الشعرية في إتحاف أسماعنا بالذي أطربها وأمتعها ، كنا نعيش مع كل كلمة تُقالُ وكل جملة تُنْطَق ومثل كل أوقاتنا الجميلة حيث أننا نكون خارج دائرة الوقت ، لم نلْْفَ أنفسنا إلا وشاعرنا يغادر القاعة بوابل من التصفيق والتهليل والتمجيد .
المرءُ في مجتمعاتنا يُقـَيَّم بما يملك ، فبالقدر الذي نملكه من نعم ٍ ، يُـكال لنا التبجيل والإكبار والإجلال وإن أنبئَ الآخرون بشقاء يُكلمنا ، فإنهم سرعان ما ينفضون عنا وبلا حياء أو خجل يرددون بأننا أغبياء في زمن لا يمجد إلا الأذكياء الماكرين .
ومن القهر والإذلال، ما يدفع الكثيرين لهاثاً خلف الأضواء أملاً في كسب الود والاحترام ، فمن فتاة أسَرَتْها القوانين الاجتماعية فأبقتها حبيسة المنزل ، صماء خرساء عمياء إلا في مخالطة بعض بنات جنسها ، إلى شاب أصاب التهميش والجهل وتعسف الأهل منه كل مأخذ ، إلى متلاحم مع القوى المتنفذة يصيب ازدهاراً ونماء في ميادين الكسب . إلى منتوف ٍ ـ لفقر ٍ يصهرهُ ـ ، تتناوشهُ حِرابُ ذي القربى .أكثر الناس ، مَنْ أسقمهمُ الملل ، تطفلَوا على حقول الأدب والفن ـ معتمدين على دفتر الشيكات أو ...؟! .
ومن عِظَمِ البلاءِ ، أن يتحكم المتنفذون بأذواقنا الأدبية والفنية ، كأن يستغل أحدهم تشعب علاقاته ، يُمَرِّرَ الموافقات لطباعة ونشر الكتب ويدفعُ بمَنْ يشاء إلى حلبات الفن ، مُعولاً على رنين وطنين إعلام ٍ مُشاهَدٍ أو مسموع ٍ أو مقروءٍ يدخلُ في دائرة سلطانه ، ولا ينته إلا وجمهور متأفف يقلبُ في قائمة القنوات ينشد البهجة ، كونه لم يُهَـدَّءْ من روعه ولم يروِ منْ عطشه ولم يـُغـَـذ ِّ روحهُ ما أُُسْمِيَ أدبـاً أو فـــناً .
 

2011/9/10



إدارة الموقع: لقمان شمو كالو

E-MAIL:info@lokmanafrin.com  MOB:+963 93 2999010  FAX:+963 21 7873145

Copyright lokmanafrin 2011 . All rights reserved.

BACK TO HOME PAGE