* أنا والأنثى والمجتمع ثالثنا *
 

مَنْ هيَ المرأة ؟؟؟
دُمية ٌ يلهو الرجلُ بها فيلفظها إن دبَّ المللُ في نفسهِ أو أصيبَ بالوهنِ عقله ؟ أم سلعة ٌ نعرضها في خلواتنا وفضائياتنا لتوقِظَ فينا ذكورة ً كللتنا بالغارِ ولم تزل ، ذكورة ٌ بذلنا لها ما ملكت وما لم تملك أيماننا !؟ . هل يسيرنا ربانُ الحكمة فنؤمنَ بمناصفتها إيانا سفينة الحياة فنوليها قدرها وآدميتها ، أم أننا أصبحنا أسرىً لأهوائنا وتعسفنا ، فأمسينا ـ وبلا هوادة ـ نمضي في سحقها ، مثلما ألفنا أن نسحق في أنفسنا ألق الحياة وإشعاعها ؟
ألفيتُ المرأة َفي برعمِ طفولتي كائناً يختلف عني طبعاً واهتماماً وتكويناً .
 

 

 

 

 في المدرسة كنت أقاسم ابنة الجيران عروسة الزيت والزعتر ... كنت أدفع عنها أذى الصبية . المضاجع وحدها مَنْ فرق طراوة أجسادنا وبراءة أحلامنا وصفاء أفكارنا . كنا نمضي سُحُبَ الأيام في اللهو والقراءة والرسم . لم يفتنا أن نؤديَ ـ أحياناً ـ أدواراً في مسرحيات أكون العريس فيها ، فيُحَبَّبُ إليها أن تكون المدللة من عرائسي . كلانا قد جهل حقيقة الإنجاب وحينما كنا نسأل الأهل عن مصدر الأولاد ، يفاجئنا تغامزهم وتهامسهم وإيهامهم بأننا قد أحضرنا من السوق أو من باب المسجد . أوقعنا ذلك في تيه وتخبط وتساؤل عن إمكانية وجود أسواق يباع الصبية فيها والبنات !!؟؟ .
حينما تفتقتُ وعياً وذكورة ، أيقنتُ كذباً أبيض مارسه الأهل فأصبحت أمارس الأبيض منه والأسود على حد سواء ، لم يُسْتَهْجَنْ ذميمُ خلقي ذاكَ كوني عضوٌ في مجتمعٍ يُحَبَّذُ الكذبُ فيهِ فيُتَّخَذُ وسيلة َ تعايُش ٍ بين أفراده .
أدخلني نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وسواهم من عباقرة الأدب العربي ، عالم المرأة في مكتبة لزميلٍ مدرسي ، تضمُّ كماً من الروايات وكثيراً من النساء يغفونَ في طياتها ، وجدت المرأة مخلوقاً وديعاً ، محطماً ، مسلوب الإرادة ، مُجْهداً في اقتناص آدميتهِ وإفراغ شحناتهِ ، وما أن كنت أستعير رواية حتى أكرر قراءتها ، فتشدني مشاعر النساء فيها ، بل ومشاهد الغرام التي توقظ فيَّ رجولتي .
ظننت المرأة في أول الشباب نوعين من البشر ، أحدهما : يعيش في ثنايا الروايات والقصص والأفلام ، ثانيهما : يسكن حارتنا ويتنقل بين البيت والسوق والمدرسة ، لمْ أخفِ حينها غيرتي من سعة دراية الأدباء بشؤونها أو قربهم من عالمها ، بينما كنت في حذري لمجرد النظر إليها ، وأني حينما كنت أفاجأ بالجارات يطرقن باب البيت كنت أتلعثم لمرآهنَّ، فأستعين بالوالدة مرحبة ً بهن ، والدهشة تتملكني لقدرة أمي على محاورة تلك المخلوقات اللطيفة ، بينما أسارعُ بالتواري عن الأنظار محكماً إغلاق باب غرفتي مستلقياً على ظهري معتمداً على وسادة ٍ تغطي وجهي كنعامة تخفي الرأس إن داهمها الخطر .
في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ، انتصب نزار قباني في منصة لأمسية شعرية أعدت خصيصاً لمًنْ أجهر حبه للمرأة مثلما أجهر مؤازرتها ، التفتَ حولهُ ، فأدهشه ُ امتلاء القاعة بالأنوثة ، وحينما أفصح بأنه عن حلب قد غاب خمساً وعشرين سنة ، وأنه يُحتمُ شوقاً ينتاب نساء حلب إليه ، اندفعت الملائكة مصفقة قلوبهنَّ ، يهتفنَ ملء حناجرهنَّ . أدهشتني حينها مفارقة من علقم بؤسها لعقت مراراً ، فبينما وجدت نزاراً يحاور الأنثى بأريحية في أشعاره ، دون أن يحجمه النعتُ بالصدأ تفكيره أو أن يثنيه الوعيد والتنديد بمسلكه ، وفي حين كانت المواخير فيه والحانات تعج بمن سحقتهم الأقدارفأطاحت عجلة الفقر بكثير من مبادئهم وقيمهم ، فإن المجتمع الذي تكاتفت لقهري سلطاته ، قد استشاطني حقداً وغضباً فغلتِ المراجل ، أحِطْتُ بجملة ٍ من المحرمات حددتْ علاقتي بالمرأة : " لا تنظر ... لا تسمع .. لا تفعل .. لا ترافقْ !!.. كانت تعاليم الأسرة توجهني نحو خلاص فردي ، لقنتني الوالدة ، بأني حينما أسلك درب المدرسة الثانوية كل صباح وأصادَفُ بالطالبات يزينهُ ، يُحَتَّمُ علي إعماءٌ لعينيَّ ، لكني وما أن كنتُ أحاذيهنَّ والجِّدُّ أتصنعهُ بجبين ٍ أقطبهُ والسيرِ أستقيمهُ برأس مرفوع ٍ وظهرٍ مشدود ، حتى تدفعني الرغبة أن أسرق من طوّالةٍ حسّانةٍ ملامح وجهها ، فأعيش مع الوجه وصاحبتهِ أحلام يقظةٍ كنتُ أجددها مراراً كي أبعث الحيوية في نفسي وفي جسدي ، معوضاً نقصاً فرضهُ علي مجتمعٌ يقمعُ خيرية َالنزعات ، مجتمعٌ يتقمصُ التعصب والتناقضَ والاستبدادَ من رأسهِ حتى أخمصِ قدميهْ .
 




2012/5/22

إدارة الموقع: لقمان شمو كالو



العودة إلى الصفحة السابقة

E-MAIL:info@lokmanafrin.com  MOB:+963 93 2999010  FAX:+963 21 7873145

Copyright lokmanafrin 2010 . All rights reserved.

BACK TO HOME PAGE